ابن قيم الجوزية

119

الروح

المسألة التاسعة [ الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور ] وهي قول السائل : ما الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور ؟ جوابها من وجهين : مجمل ومفصل : أما المجمل : فإنهم يعذبون على جهلهم باللّه وإضاعتهم لأمره وارتكابهم لمعاصيه ، فلا يعذب اللّه روحا عرفته وأحبته وامتثلت لأمره واجتنبت نهيه ، ولا بدنا كانت فيه أبدا ، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة وأثر غضب اللّه وسخطه على عبده ، فمن أغضب اللّه وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات على ذلك كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب اللّه وسخطه عليه ، فمستقبل ومستكثر ، ومصدق ومكذب . وأما الجواب المفصل : فقد أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الرجلين اللذين رآهما يعذبان في قبورهما : يمشي أحدهما بالنميمة بين الناس ، ويترك الآخر الاستبراء من البول ، فهذا ترك الطهارة الواجبة ، وذلك ارتكب السبب الموقع للعداوة بين الناس بلسانه وإن كان صادقا ، وفي هذا تنبيه على أن الموقع بينهم العداوة والكذب والزور والبهتان أعظم عذابا ، كما أن في ترك الاستبراء من البول تنبيها على أن من ترك الصلاة والتي الاستبراء من البول بعض واجباتها وشروطها فهذا مغتاب ، وذلك نمام ، وقد تقدم حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه في الذي ضرب سوطا امتلأ القبر عليه به نارا . لكونه على صلاة واحدة بغير طهور ، ومر على مظلوم فلم ينصره . وقد تقدم حديث سمرة في صحيح البخاري في تعذيب من يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق ، وتعذيب من يقرأ القرآن ثم ينام عنه بالليل ولا يعمل به بالنهار . وتعذيب الزناة والزواني ، وتعذيب آكل الربا ، كما شاهدهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في البرزخ . وتقدم حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه الذي فيه رضخ رؤوس أقوام بالصخر لتثاقل رؤوسهم عن الصلاة ، والذين يسرحون بين الضريع والزقوم لتركهم زكاة أموالهم ، والذين يأكلون اللحم المنتن الخبيث لزناهم ، والذين تقرض شفاههم